ما هى المشكلة فى الصومال

د. إبراهيم نصر الدين الخبير بشئون إفريقيا يحلل الأوضاع الصومالية:المحاكم سقطت لأنها رفعت الراية الوهابية
عمر أحمد عمر

تماشيا مع عودة أشكال الاستعمار القديم الذى ضربت به الولايات المتحدة العالم مع بدايات القرن الجديد عندما احتلت العراق عام 2003 يمثل الاحتلال الاثيوبى للصومال الذى ضربت به اديس ابابا القارة الافريقية قبل أسابيع نسخة اقليمية من الاصل الامريكى. هذا الحدث الاقليمى الكبير يثير اسئلة مهمة عن اسباب السقوط السريع لقوات المحاكم الاسلامية الصومالية فى مواجهة القوات الاثيوبية وعن التداعيات داخل الصومال وخارجه خاصة بالنسبة لمصر. هذه الاسئلة وغيرها عن الحال فى الحاضر والمآل فى المستقبل وجهتها الاهالى للدكتور ابراهيم نصر الدين الخبير البارز فى شئون القارة الافريقية.
هناك عدة اسباب اولها انه اذا كان صحيحا ان المحاكم استطاعت ان تفرض الامن والنظام على المناطق التى سيطرت عليها وباتت الحياة شبه طبيعية الا ان رفعها الراية الوهابية فى التعامل مع الناس يعنى انهم لم يدركوا فكر الواقع ولا التعامل مع فكر الواقع وانما راحوا يرفعوا شعارات عن تطبيق حدود بعد ان ظنوا انهم استطاعوا ان يسيطروا على معظم الجنوب، ثم ممارسات ضد دور السينما والفيديو وكرة القدم فدخلوا فى مسائل فرعية باتت تبدو لدى غالبية الناس شكلا من اشكال القمع والاضطهاد والمغالاة والتطرف فى تطبيق الدين اذن فكرة تحقيق الامن والاستقرار.. لم يكن تحقيق امن واستقرار رضائيا بقبول المواطنين وانما مخافة. وهناك فرق كبير بين استقرار الخوف وهو مؤقت والاستقرار الرضائى الذى يتسم بالثبات والديمومة.
ثانيا توهمت المحاكم ان لديها القوة العسكرية التى يمكن من خلالها السيطرة ليس فقط على الجنوب انما توحيد الشمال بالقوة ومواجهة اثيوبيا فى الوقت الذى كانت المعدات العسكرية لديهم بالية وتفتقر للتنوع، فلم يكن لديهم لا صواريخ ولا مدرعات ولا قوات جوية ولا مدفعية.
وأظن انهم اقتربوا فى ممارساتهم المتزمتة من حركة طالبان.

الاستفزاز
لكن اخطر شيء هو استفزاز اثيوبيا والواقع يشير إلى إنه لم يكن هناك تدخل اثيوبى واضح لصالح الحكومة الانتقالية كانت اعداد محدودة جدا فى بيداوة مقر الحكومة قبل سقوط المحاكم من القوات الاثيوبية لكنهم اعطوا ذريعة لاثيوبيا، وكانت اثيوبيا تريد هذه الذريعة عندما راحوا يتحدثون عن مقاومة الكفار والجهاد ضد الكفار الاثيوبيين والسعى لاستعادة اقليم اوجادين اقليم داخل اثيوبيا يسكنه صوماليون فى وقت هم لم يسيطروا على الجنوب ولم يحققوا الوحدة الصومالية. فهم الذين مكنوا واعطوا الفرصة لاثيوبيا بان تنحاز للحكومة الصومالية هذا الانحياز وان تتدخل بقواتها لتحسم المعركة لصالح الحكومة الانتقالية ولصالح اثيوبيا ايضا لان اثيوبيا ليس من مصلحتها ان تيارا دينيا متشدد على هذا النحو يسيطرعلى الوضع فى الصومال.
بطبيعة الحال التقت المخاوف الاثيوبية مع الرؤى الامريكية فى مقاومة الارهاب ومن الثابت ان امريكا بقدرتها المخابراتية والاستطلاع ساعدت القوات الاثيوبية فى انتشارها وغزوها.
بطبيعة الحال اثيوبيا تتصرف على ضوء مصالحها الوطنية وليس من مصلحتها وجود نظام حكم فى الصومال يوحد الصومال بالكامل ويرفع فى ذات الوقت راية اسلامية لان نظاما بهذا الشكل سيعاود الكرة مرة اخرى للدخول فى صراع مع اثيوبيا على نحو ما حدث فى فترات سابقة.
- اذن لماذا يجرى تناول امور الصومال احيانا فى الاعلام من مدخل قبلى؟
– من الخطأ الحديث بهذه الطريقة فالقبائل متداخلة حتى ان تحدثت عن مقديشو فهى ليست قبيلة واحدة. وحتى فيما يتعلق بالمحاكم الاسلامية لا استطيع ان انسبها لقبيلة واحدة لان خطابها ذاته يتخطى القبلية. والحكومة الانتقالية بدورها خطابها يتخطى القبلية.

القوى الفاعلة
- إذن ماهى القوى المحلية الاساسية الفاعلة على الساحة الصومالية فى الوقت الراهن؟
- - واحد - جمهورية ارض الصومال وهذه فى الشمال
واعلنت استقلالها منذ مايو 1991 وهى بكل المعايير دولة فعلية لان لديها السلطات الرئيسية وفيها جيش ولديها تعدد حزبى وحدود. ورغم ذلك لم يعترف بها احد منذ عام 1991 ولكنها تقيم علاقات فعلية مع اثيوبيا ومع جيبوتى وان لم تاخذ الصبغة الرسمية لانه لم يعترف بها احد لا دول الجوار ولا أى دولة من دول العالم، ولكنها بكل المعايير دولة فعلية وهى نشأت على انقاض الجزء الاكبر من المنطقة التى كانت خاضعة للاستعمار البريطانى لان الصومال كما نعرفه عام 1960 كان جزءان الجزء الخاضع للاستعمار البريطانى فى الشمال والجزء الخاضع للاستعمار الايطالى فى الجنوب اذن احد مقومات هذه الدولة انها كانت تاريخيا خاضعة للاستعمار البريطانى
2 - الى جوارها مباشرة فى الشمال ايضا ما يسمى بلاد بُنت، وهى لم تعلن الاستقلال وانما اعلنت كوحدة ذات حكم ذاتى هى اذن لم تعلن نفسها كدولة ولم تطلب الاعتراف بها.
3 - المشكلة متفجرة فى جنوب الصومال حيث الصراع الذى استمر منذ بداية التسعينيات من القرن الماضى حتى يومنا هذا للسيطرة على الجنوب. وقد شهدنا منذ منتصف العام الماضى منذ ظهور المحاكم على الساحة بالشكل الذى عرفناه وتحركها الواسع للسيطرة على معظم الجنوب. وقد نشأت هذه المحاكم قبل اقل من عشر سنوات فقط نتيجة للفراغ الذى نشا عن انهيار الدولة وبالذات عدم وجود مؤسسات فى الجنوب.

الموقف المصرى
- باعتبارك خبيرا بالشئون الافريقية كيف تنظر لتصريحات الرئيس مبارك التى ابدى فيها التفهم للاحتلال الاثيوبى للصومال؟
– انا لا اريد ان احمل مصر اكثر من قدراتها لوجوده عاملين الاول يتعلق بموقف منظمة الوحدة الافريقية التى حل محلها الاتحاد الافريقى حاليا عند اندلاع الازمة الصومالية اوائل التسعينيات من القرن الماضى والذى لازال موقف الاتحاد الافريقى الى الآن حيث اوكلت الملف الى اثيوبيا واريتريا. ومع ذلك فقد حاولت مصر جمع الاطراف الصومالية الا ان هذه المساعى فشلت. فلكى تقوم بدور وساطة لابد ان تمتلك القدرة على الاغراء او القوة على الاكراه او الاثنين معا. بحيث اذا رفض احد الفرقاء وساطتى يمكننى ان اساعد الفصيل الذى يقبل ماديا واساعده عسكريا واقويه حتى احدث توازن. او ادفع اموالا للفريق الرافض حتى يقبل الوساطة. اما انا كمصر فليس لدى لا هذه القدرة ولا تلك لانى لست دولة جوار مثل اثيوبيا، فانا من ناحيتى لا استطيع ان ادفع مالا ولا املك القدرة العسكرية ان اساعد فصيلا او اتدخل عسكريا اذن قدرة اثيوبيا على المساومة والدخول فى تسوية على النحو الذى يرضيها اكبر منى.
- لكن الا يشكل الوجود الاثيوبى المهيمن فى الصومال ضررا على مصر والعرب؟
– بكل تأكيد، فعندما اتحدث كمصر وكعرب عن الصومال كدولة عربية فمن هذا المنظور يتعين ان يكون لنا دور فى استمرار الصومال ترفع الهوية العربية، خاصة فى ظل وضعها الاستراتيجى الموجود فى مدخل البحر الاحمر فهذه مسألة مهمة جدا. صحيح فى الاونة الانية.
- هل يعنى ذلك انه ليس لدى مصر اية اوراق فى منطقة القرن الافريقى؟
– كان يمكن ان يكون لنا تاثير من خلال الالتفاف حول المنطقة والاتجاه للتأثير من خلال تقوية وجودنا فى الغرب والجنوب الافريقى، فاعقد منطقة امارس فيها سياسة فى افريقيا هى منطقة الشرق والقرن الافريقى لقد تركنا المنطقة الاسهل والتى يمكن ان تأتى لى بثمار وتحقق لى القدرة ورحت احاول فى منطقة الشرق كمن يخبط دماغه بالحائط. بينما غرب افريقيا اغلبه مسلمون ولو كنت وثقت علاقتى مع دول غرب افريقيا مثل تشاد ومالى والنيجر والسنغال لكنت نجحت فى ممارسة ضغوط شديدة على منطقة القرن الافريقى وشرق افريقيا واثيوبيا.

مياه النيل فى امان
- لكن هل يمكن ان يكون لتنامى قوة اثيوبيا اثر على مسالة حساسة وخطيرة كمياه نهر النيل كأن تتمكن من التأثير على حصة مصر من المياه؟
– فى هذه النقطة تحديدا وبالذات لاتوجد اية تأثيرات لسبب واضح وبسيط وقاطع ونهائى ان اثيوبيا لايمكنها باية حال من الاحوال وفى اية ظروف التأثير على مياه النيل.
- كيف ذلك؟
– اثيوبيا لاتستطيع ان تؤثر على مياه النيل لعدة اسباب:
1- عمق المنابع المائية الاثيوبية نصف كيلو ويستحيل بحال من الاحوال انشاء منشآ ت كسدود او خلافه فى عمق 500 متر وفى خلال 10 اشهر على الاكثر قبل موسم الفيضان هذه مسالة مستحيلة
2 - 80 % من الزراعة فى اثيوبيا تعتمد على المطر وهم ليسوا فى حاجة للمياه
3 - يصعب باى حال من الاحوال تحويل مجرى النيل الازرق من منابعه لجنوب اثيوبيا، يعنى بدلا ما هو صاعد شمالا ننزله جنوبا لان القارة منحدرة من الجنوب للشمال. القارة كلها بطبيعتها فيها هذا الانحدار فمن الناحية الفنية يصعب بحال من الاحوال تغيير مجرى المياه بدلا من أنه متجه متجهة شمالا نوجهه جنوبا وحتى لو فرضنا جدلا إنه توجد فيه امكانية لحجز المياه فان هذا من شانه ان يغرق الاراضى الاثيوبية بالكامل
4- الايراد السنوى لنهر النيل من المياه بالكامل 1650 مليار متر مكعب ينزل على الهضبة الاثيوبية منهما 1450 مليار متر مكعب، دول الحوض لا تستهلك الا 85 مليار متر مكعب من ال 1650 مليار فمعنى حجز 1450 مليارا ان الارض الاثيوبية ستغرق بالكامل وسيحدث فيضان عظيم. هذا يعنى ان تنشئ اثيوبيا مشروعا مجنونا يتكلف مليارات لحجز المياه من اجل ان ترميها فى البحر الاحمر وحتى هذا الخيار المجنون ليس متيسرا لان سلاسل البحر الاحمر الجبلية موجودة يتعين كسرها اولا. ومما يؤكد استحالة ان تنجح اثيوبيا فى المساس بمياه النيل ان الولايات المتحدة التى كانت موجودة باثيوبيا إبان انشاء السد فى الستينيات بمعونة الاتحاد السوفيتى كانت تعلم انه من غير الممكن التأثير على مياه النيل وعندما انقلب الوضع واصبح الاتحاد السوفيتى هو الموجود فى اثيوبيا فى السبعينيات فان شيئا لم يتغير بالنسبة لمياه النيل. الذى لا يعرفه الناس ان اثيوبيا فيها 52 نهرا دوليا هناك وفرة فى مياه النيل
نفس الكلام ينطبق على جنوب السودان حيث يمر النيل الابيض الذى يعطينا 15 % من المياه فجنوب السودان يستحيل هو الاخر ان يكون له أى قدرة على التأثير على مياه النيل او على حصتنا من مياه النيل. فجنوب السودان ذاته غارق فى المياه.. غارق فى المستنقعات مئات الكيلو مترات. مشكلة جنوب السودان انه يريد تصريف هذه المياه ولكى يتمكن من تصريفها عليه ان يحفر قنوات حيث تتجه المياه الى الشمال. وهذه كانت فكرة مشروع قناة جونقلى. فحكاية الحديث عن مشروع للتخزين القرنى على غرار السد العالى فى جنوب السودان او اثيوبيا مسألة تكاد تكون مستحيلة.
المنطقة الوحيدة التى يمكنها التاثير على مياه النيل هى شمال السودان حيث الارض منبسطة جافة وكل افرع النيل تصبح فرعا واحدا يعنى يمكن التحكم من خلال فرع واحد. الروافد اصبحت فرعا واحدا من شمال الخرطوم مباشرة الارض جافة ممكن تعمل سدود ضخمة تخزن والارض صالحة للزراعة ولا توجد لا غابات ولا أى عقبات.
- هناك من يتحدث أن ما يجرى بالصومال هدفه النفط؟
– مسألة أن هناك نفطاً فى الصومال لم تثبت، وأنا لا أحب أن أتحدت عن أمر غير ثابت.

حلقة بمسلسل
- هناك من ينظر للاحتلال الاثيوبى للصومال باعتباره خطوة فى اتجاه المخططات الامريكية لاعادة ترسيم خرائط المنطقة
– هذا صحيح فالموقف الامريكى والدولى هو قص اطراف العالم العربى فمنذ التسعينات من القرن الماضى فى حقبة الرئيس الامريكى بيل كلينتون جرى الحديث عن القرن الافريقى الكبير او الجديد الذى من شانه ان يخرج السودان من الحظيرة العربية فالقرن الافريقى الذى نعرفه يضم اثيوبيا واريتريا والصومال وجيبوتى.
فالسودان دخلت تمهيدا لفصله عن العالم العربى، وفى هذا السياق الذى يستهدف قص اطراف العالم العربى يجرى طرح فكرة الفيدرالية سواء فى العراق او الصومال او السودان. فالمطلوب تفكيك الاطراف تحت مسمى الفيدرالية القائمة على اساس اثنى او على أساس دينى اوغيره ثم قصها تماما ومنحها هويات مختلفة.

المستقبل
- ما هى المآلات المتوقعة للحال القائم فى الصومال الآن؟
– من زاوية ما يمكن ان يحدث على الارض الصومالية الان، فان اقصى ما تستطيع بقايا المحاكم ان تفعله بعض العمليات الصغرى هنا وهناك انما فكرة الاستيلاء على ارض وانتزاع ارض حيث القوات الاثيوبية موجودة او حيث تصل قوات دولية للاقليم اتصور ان المسالة فى غاية الصعوبة بالنسبة للمحاكم. كل ما تستطيع ان تفعله تفجيرا هنا وتفجيرا هناك وفى هذه الحالة ستتهم بالارهاب باعتبارها تضم ارهابيين اسلاميين. انما فكرة أن تكون لهم قاعدة وموطئ قدم وقطعة ارض ينطلقون منها لتوسيع قاعدة نفوذهم فهذا مستبعد

مأزق اثيوبى
فى المقابل القوات الاثيوبية فى مأزق لان الشعب الصومالى يرفضها. صحيح ان الشعب الصومالى غير قادر ان يقاوم هذه القوات لانه بعد 15 سنة من الحرب الاهلية الناس ملت الحرب من ناحية وقدراتها على القيام بعمليات عسكرية مرة اخرى لم تعد كما كانت، ومسألة ان المحاكم تستطيع جمع الشعب الصومالى مرة اخرى مسالة باتت فى غاية الصعوبة. لكن يظل غالبية الشعب الصومالى يرفض استمرار القوات الاثيوبية. فالقوات الاثيوبية فى مازق يتعين عليها ان تجد بديل له يحقق الاستقرار ويساند الحكومة الانتقالية وهذا ما تفعله اثيوبيا الان هى والولايات المتحدة وذلك بالبحث عن قوة سلام افريقية او دولية تساند الحكومة الانتقالية.
س - وهل هذا البديل قابل للاستمرار ام انه بديل سيحتاج لبديل؟
ج - انا اتصور ان امراء الحرب تم بواسطة المحاكم، والتى بدورها تمت ازاحتها الى حد كبير. اتصور ان هناك امكانية ان الحكومة الانتقالية بسند تحقق الاستقرار وتستمر فى جنوب الصومال. ولكن تكمن المشكلة فى ان الدستور الموضوع للحكومة الانتقالية دستور فيدرالى وليس لدولة موحدة فقد تستطيع الحكومة تحقيق الاستقرار فى الجنوب وبلاد بُنت، لكن الامر مع جمهورية ارض الصومال لن يكون سهلا. اتصور ان تكون هناك محادثات عسيرة جدا كى تدخل جمهورية ارض الصومال فى حظيرة دولة صومالية موحدة. وحتى ان دخلت فلا اتصور الا ان يكون فى اطار كونفيدرالى يعنى رابطة هشة لان من مصلحتها ان يعترف بوجودها فالكونفيدرالية تحقق لها الاعتراف الدولى

أكتب تعليقاً

يجب أن تسجل دخولك لتكتب تعليقاً.