ثورة اكتوبر ونقطة سوداء من تاريخ الصومال
ثورة اكتوبر ونقطة سوداء من تاريخ الصومال

عبدالله الفاتح - الجزيرة توك - مقديشو
يصادف يوم 21 من شهر اكتوبر تشرين الاول الجاري، ذكرى الثامن والثلاثين لقيام ثورة اكتوبر،
والتي استولى فيها ضباط من الجيش الصومالي على السلطة، بقيادة الجنرال محمد سياد بري، وذلك
بعد ايام قليلة من اغتيال رئيس الجمهورية الدكتور عبد الرشيد علي شرماكي .وكان عهد الستينات
والسبعينات من القرن المنصرم عهد ثورات وانقلابات في معظم الدول النامية والمستقلة حديثا ، وكان
المد الشيوعي موضة العصر ، كما اصبح المد الاسلامي هو الموضة في بداية ونهاية القرن الحادي
والعشرين .
لم تكن الثورة حدث يتيما ، بل جاءت بعد ان كادت البلاد تدخل في حرب اهلية لامبرر لها بسبب تعنت
بعض النواب ، معتبرين انفسهم الورثة الشرعية لمنصب الرئاسة ، رغم ان دستور البلاد كان يخول
سلطات كاملة لرئيس البرلمان، ان يكون رئيس للدولة لمدة ستين يوما كفترة انتقالية، يتم بعدها اجراء
انتخابات عامة ،الا ان وجود دساتير لا معنى لها في بلد كالصومال تسود فيه الارتجالية وعدم النضج
السياسي وتقديم الزعامات والمصالح القبلية على المصالح الوطنية ، ولذلك اشتد النقاش في داخل
البرلمان، مما ادى الى الانقلاب المجيد او قل المشئوم ان شئت .
وفي غدات الواحد والعشرين من شهر اكتوبر 1969م استيقظ الشعب بدبابات في الشوارع كان انقلاب
ابيضا، ورحب الشعب الصومالي بثورة اكتوبر وهي في مهدها، بسبب شعور خيبة امل كبيرة للمواقف
المتعجرفة واللامسؤلة لاولئك النواب وعدم وصولهم الى نتائج مرضية . واهم مادفع الشعب بأن
يسرع تأييده الكامل للثورة هو شدة المناقشة التي كادت ان تجري البلاد الى اتون حرب لايعرف نتائجها
من جهة ، ومن خطب الرننانة ووعود البراقة التي كان يطلقها قواد الثورة من جهة اخرى .وقطع
الثوار على انفسهم وعودا بإصلاح سياسي وإجتماعي إقتصادي شامل ، وإثر ذلك عمت الفرحة في
جميع انحاء الصومال .

ومن باب الانصاف فإن قواد الثورة استطاعوا في السنوات الاولى من حكمهم ان يحققوا بعض
الانجازات الملموسة في مشاريع التنمية والتحديث وترسيخ الاستقلال الوطني من خلال بناء جيش
وطني قوي وحديث .والتعليم بدوره تطور الى ان دخل البيوت والدور قاطبة وذلك من خلال اطلاق
حملات لمحو الامية مما ساهم في رفع معنويات الشعب .بيد ان الفرحة لمن تدم طويلا واثبتت الايام ان
القيادة العسكرية تلك، لم تكن من الكفاءة بمكان يؤهلها ان تتبواء، مثل هذه المناصب العليا في ادارة
البلاد .

ولم يكن القائد الاعلى للثورة الجنرال محمد سياد بري، الذي حملته الدبابات الى قصر الرئاسة في ظلمة
الليل والناس نيام لم يكن عند كلمته حيث لم يوف بوعوده الكاذبة، بل اخذ يسير نحو اتجاه دموي رهيب
، كما جعل يتصرف بعربدة ورعونة تعد هي الاكثر وحشية في مجال الممارسات الدكتاتورية في افريقيا
والعالم الثالث اجمع ،مما اوقع الشعب في حيرة من امره وخاصة بعد صدور قانون انشاء محكمة امن
الدولة الصادر 1/1/1970م ومن ثم انشاء جهاز مخابرات الدولة المعروف اختصار NSS والذي
انتشر بصورة اخطبوطية بين ابناء الشعب ودأب يرعب المواطنين ويبث الزعزعة وعدم الاستقرار
النفسي فيهم .لم ينطلق النظام من منطلقات ايدلوجية وفكرية في الطرح السياسي، بل كانت خطاباته
تتسم بالسطحية والارتجالية وعدم الموضوعية .والشعب الصومالي لم يلزم السكوت امام هذه
التصرفات الجنونية من قبل النظام والذي لم يسلم منه حتى الدين الاسلامي الذي يعتنق به الشعب
الصومالي المسلم، وعلى وجه الاخص بعد صدور قانون المساواة في الميراث في يناير 1975م ،
واعتبر الشعب ذلك بأنه تحدي واضح وتهكم صريح بهدف النيل من معتقداته، وخرج الشعب من صمته
المألوف وعلى لسان علمائه انطلقت الصرخة تعد بمثابة اول ثغره في جدران ذلك الصمت
الرهيب .ولكن النظام لم يفكر وقتا طويلا من مصير اولئك العلماء ، وبالسرعة المذهلة زجهم في
غياهب السجون، ليأخذوا قسطهم من التعذيب والاهانة والنكال، قبل تمثيلهم امام المحاكم الدرامية،
ليساقوا بعدها كقطعان من الماشية الى اعواد المشانق، ومن ثم اندرجوا الي مسالك الشهداء
وانضموا الي سفينة الاحياء الابرار .

هكذا خلا للثورة ومروجيها ، يلسعون هذا وذاك باسم الحفاظة علي الامن القومي تارة ، والتهم
بالرجعية والعمالة تارات واصيب الشعب بالاحباط وشعر بالمرارة الشديدة، وهو يرى الضباط الذين
وضع فيهم ثقته، كشف القناع عن وجوههم الكالحة وبعدها اصبح الشعب يكن كل الكرهية لهذا النظام
الجائر .
وفي بداية تسعينات من القرن الماضي سقط النظام الماركسي تحت ضربات ثورة اخرى ولكن هذه المرة
كانت شعبية –وللاسف- سقطت معه الدولة التي نسف اركانها انقاضا ،ومن يومها دخلت البلاد في
دوامة العنف .كما ان عشاق الثورة يحدهم الامل بأن العيد الثامن والثلاثين من ثورة اكتوبر المجيد كما
يحلو لاصحابها ان يسموها، ان تمر كسابقاتها الا ان هذ1 الامل لم يبقى من الابعض ذكريات والتى
اشبه ماتكون اليوم بأحلام اليقظة خاصة بعد ان سقط البلاد في ايدي الاحتلال .
وتمضي الايام، وتنصرم الشهور، وتنقضي السنوات ولم يعد للثورة اي استعدادات لها، طالما والد
الثورة ارتحل الى جوار ربه، وهو يتنقل بين عاصمة واخرى بحثا للجوء السياسي فمابكت عليهم
السماء والارض .
أما عشاق الثورة وأنصارها فيرددون مع الشاعر العربي :عليك سلام الله قيس بن خالد ورحمته
ماشاء ان تترحم فما كان قيس هلكه هلك واحد ولكن بنيان قوم تهدمويلقون اللعنة على من خلفهم،
الذين خربوا ديارا عامرة وعاشوا في الارض فسادا وكأن لسان حالهم يقول :
وكذا الديار اذا خلت من
قائد فالفأر في عرصاتها يستأسد